اقلام حره

قصصٌ وحكايات… دروسٌ وعبر.. تجاربٌ ومواقف تعجّ بها كتب التراث… منها ما هو واقعي، وكثيرٌ منها خيالي… منها ما يستنطق الطبيعة أو الحيوانات أو الطيور ليصوغ على ألسنتها حِكَماً ومواعظَ يستفيد منها الإنسان في حياته… ولعل كتاب ابن المقنّع “كليلة ودمنة” يعد انموذجاً لذلك…!!! ومنها من يصنع من خياله شخوصاً لتلعب أدواراً معروفة في المجتمع الذي يعيش فيه، مثل الملوك والأمراء والخدم والإقطاعيين والأشرار والبُلهاء والمجانين… إلخ.. وفي إحدى تلك الكتب قرأت أنّ مَلِكا من الملوك أمَر أن يُصنع له طعاماً ودعا بعض خاصّته… مُدّت المفارش على الأرض… وأقبل الخادم وعلى كفّه صحنٌ فيه مَرَق… فلما اقترب من الملِك أدركتْه الهيبة فعثر فوقعت قطراتٌ قليلة من المرق على طرف ثوب الملك… فأمر بضرب عنقه…!!! أدرك الخادم بأنّه هالكٌ لا محالة، وأنّ مصيرَه الموت فعمدَ إلى صبِّ ما تبقى من مرقٍ على رأس الملك… اضطرب الملك وصاح ويْلَك -أيّها الخادم- ما هذا الذي فعلت..؟!! فقال الخادم: أيها الملِك الجليل، إنما صنعتُ هذا حفاظاً على سمعتك، وغيرةً على مقامك، حتى لا يقول الناس إذا ما سمعوا بذنبي الذي أمرتَ بسببه أن يُضرب عنقي، أنك ملكٌ متجبّر وطاغيةٌ، تقتل إنساناً بمثل ذلك الخطأ البسيط فتُنْسب إلى الظلم والجور أو يُنسبان إليك، فعمدتُ إلى صبّ المرَقَ على رأسك ليكون ذنباً يعذرك الناس بسببه على قتلي… أطرق الملك ملياً ثم رفع رأسه وقال: قد محونا قبح فعلك بحسن اعتذارك… اذهب فأنت حرٌ لوجه الله..!!!

تلك هي القصة كما أوردتها كتب التراث… غير أن الإنسان يظل مشدوداً إلى واقعِه المُعاش ويحاول إسقاط ما يقرأ عن ذلك الواقع، وهو ما اعتراني وأنا أقرأ مثل تلك القصص، ذات العبر والدروس حتى وإن كانت من نسيج الخيال… فقد رأيت في المليشيات التي أفسدت الحرث والنسل في بلادنا، ونهبت أموال الليبيين وحرقت مقدراتهم صورة ذلك الملك الذي يأمر بقطع رأس إنسان لأتفه الأسباب… ورأيت في ذلك الخادم صورة الليبيين البسطاء والمسالمين الذين تأملوا في ثورة فبراير أن تحقق آمالهم في الحرية والعدالة والمساواة ودولة القانون والمؤسسات فإذا بتلك المليشيات تدفع بها لُجج الفوضى والاقتتال وحرق المقدرات وإرهاب العباد… فتتحطم آمال الليبيين على صخرة واقع مليشاوي من مفرداته التشرّد والنزوح والتهجير والقتل ويتدنّى سقف مطالب الليبيين جرّاء ذلك الواقع المأزوم… فيصبح مجرّد توفر الوقود وغاز الطهو وانتظام التيار الكهربائي …. إنجازات كبرى يُحْتفَى بها…!!! ورغم ما زرعته تلك المليشيات في تربتنا الطاهرة من أشواك… وما سبّبته من عذابات وما أنتجته من ثارات وأحقاد، لم نقطع خيط الأمل في أن تكفّر تلك المليشيات عن ذنوبها وتقول لليبيين البسطاء المسالمين… كما قال ذلك الخادم لخادمه… “اذهبوا فأنتم أحرار لوجه الله”!!! فاعتقونا رحمكم الله…!!! .


إلى الأعلى